Jamal Boudouma 

رسوم متحركة عندي في البيت

أشياء رائعة تحدث في السابعة صباحاً:

تنزل الدجاجة من ساعة الحائط ويتناثر الزرع

تدور العقارب في الاتجاه المعاكس

تلدغ رجليّ وتضحك

تبيض الدجاجة فنجان قهوة وجريدة

أستيقظ مذعوراً وأصرخ: أين النجوم الملونة فوق رأسي؟

تصيح الدجاجة: ألم تعجبك السماء وأجنحة الملائكة؟

ألم تعجبك الغمامات؟

تهمهم العقارب: ألم يعجبك عمود الكهرباء الخجول؟

ألم يعجبك لقلاق بناية البريد؟

أصرخ: أريد النجوم أريد زهرة أريد المطر ووجوه من أحب...


أفتح نافذة البيت كي يدخل الهواء

ألمحني جالساً في شرفة المقهى المقابل للبيت

بلا شارب ولا قبعة وبلا يدين

أدخن سيكاراً غليظاً وأبتسم

أبتسم

أحييني وأعود إلى النوم

أحياناً تسقط التحية على الرصيف وتتكسر

حينما لا تتكسر يمر رجل ثخين ويدوسها بحذائه

أتألم

حين يغيب الثخين، تظهر عجوز تمشي ببطء وهي تجر كلباً مضحكاً

يتبول على التحية

يتحول حماراً وحشياً دون أن تنتبه العجوز

نظاراتها تشبه قاع الكأس

وجهها مقلاة صدئة وهي بلا عيون

والكلب المضحك منذ البداية لم يكن كلباً

ولا تحوّل إلى حمار وحشي...

 

أنهض من طاولتي لألملم شظايا التحية

في منتصف الفكرة أكتشف أنني بلا يدين

أعود أدراجي مثل محارب لم يحمل في الجراب ما يكفي من شجاعة

مكان التحية تنبت شجرة صفصاف

وينبت أصدقاء كانوا معي في الجامعة وقتلوا

ينشق الرصيف فتخرج رؤوسهم

أجسادهم لدنة وعليها دم وأوساخ

يمسحون الغبار بأكفهم فيختفي الدم وتظهر الحقيقة

يمشون في اتجاهات متعاكسة

مبتسمين كأن أشياء رائعة تحدث

 

تمر فتاة صغيرة بلباس رث وأعواد ثقاب مبللة

تسأل المتسول الأعمى تحت شجرة الصفصاف: كم الساعة؟

يشير الأعمى إلى نافذتي

أغلقها بسرعة وأرتمي تحت الفراش

أرتعش فتسقط أواني المطبخ ومبادئي القديمة وتتشقق الجدران

تدخل الفتاة بدون أن تدق الباب

تضع علب الثقاب قرب المدفأة كي تجف

تجف روحها وتبكي

تدّعي أنها هربت من رسوم متحركة

تقول إنها تعبت:

لم يكن من داع لأن يموت والدها الثري فجأة

ولم يكن ضرورياً أن تعيش في دار أيتام

المديرة فظة بلا قلب ولها معطف أسود طويل

والأطفال شياطين بأجنحة بيضاء

ثم إنهم جميعا غير مرسومين كما يجب

وهي تكنس الأرض وتنظف الغرفة وتدرس وتتضرع إلى الله...

وفي النهاية هي حرة ولا تريد أن تكمل

 

يأتي المتسول الأعمى إلى غرفتي

يخرج من جيوبه عينين لزجتين

يضعهما على وجهه كيفما اتفق

يقول إنه كان شخصاً مهما

قبل أن تدور العقارب

يفتخر لأنه متسول أعمى تحت شجرة صفصاف

وليس موظفاً في البنك

يتأسف لأن دجاجة الصباح أدخلته في حسابات تافهة

وهو يحب امرأة سمينة صادفها في بيت على البحر

داخل رواية بوليسية

لكن المؤلف أناني ويكتب فقط كي يعذب الناس

يأخذ راحته في غرفتي

تنبت صفصافته قرب سريري

هو متسول مغرور ونحن نصغي إليه

نموت ثم ننهض

وهو ما زال يكرر أنه مسرور لأنه متسول أعمى تحت شجرة صفصاف

وليس شاعراً

فجأة تقف المدفأة وفي يدها عود ثقاب وتهددنا

تضحك الفتاة

يقهقه المتسول

تبتسم الجدران

يشتعل البيت

أصرخ:

أيها الأوغاد... أريد النجوم التي كانت فوق رأسي؟

أشرار يعذبون الصباح في المرحاض

مدرّس العربية

يغنّي ويقذف الأسماك من النافذة

يقذف الظهيرة بالمحفوظات القديمة

فتنبت النجوم على ظهر سترته المخططة

ويشتعل الفصل

مدرّس بلا رسالة

مدرّس بلا طوابع بريد، بلا ظرف

وبلا ضمير

مدرّس مرفوع بفتحة سكين على الجبهة

ويتقن النصب

أحلامه مبللة

وممنوعة من الصرف

يترك رأسه فوق المكتب الخشبي

ويذهب نحو النافذة

مدرّس بلا رأس يتجول بين الصفوف

والأشرار يضحكون

يتبولون على أحلامه

يتزحلقون فوقها وينسفون أقواس قزح

 

تلاميذ أشرار

بأجنحة بيضاء ومحفظات ثقيلة

ينتفون شعر السنة الكبيسة

يعلّقون العطل فوق مكنسة وينظّفون الشهور

ينشرون على جدران الفصل أرواحهم

يعذّبون الصباح في المرحاض

ويضحكون

 

في الصباح

يأتي الصباح بملابس مقطّعة

يجلس في آخر الصف

يشتكي ويئن

أحلام المدرّس يبست وصارت تزكم

الصباح يحدّث نفسه

ويمسح الدموع بمنديل

التلاميذ يكيدون للشمس

يحشرون أنوفهم في علب الثقاب

ويخرجون الغيوم من مؤخّرة المدرس

 

تنطفئ النجوم التي على ظهره

فيصعد خفيفاً إلى السماء

مثل منطاد مخطّط

يعلو

ويصطدم بالسقف وبالأرواح وبصحون طائرة

التلاميذ تحت

يتقافزون ويهتفون: سيسقط سيسقط...

 

يخلعون سراويلهم ويرشّون الحياة

أجنحتهم مكسّرة

مدرّسهم يصعد وهم ينزلون

لا جبال فوق أكتافهم

لا ثلج في أحلامهم

يصلحون أرواحهم المعطلة

وينطّون من عمر لآخر

يتلصّصون على تبابين المعلمات في الساحة

يفضحون عورة المستقبل

ويضحكون

الأشرار يضحكون

ميّت يحمل زهرة ويضحك
 

في العاشرة مساء

يتسلّل إلى غرفتي شبح شرير وينام على سريري

أقفز مذعوراً

أختبئ خلف الستائر

أرتعش

أبقى متيقّظاً طوال الليل

يؤلمني الضوء

وأكتشف أنني صعدت إلى السماء ثمّ رجعْت

أكتشف أنّني ميّت يحمل زهرة ويضحك

يتفسّخ وجهي ولا تذبل الوردة الحمراء

أجلس على الهواء

ولا أفكّر:

من جعل الأبدية رديئة هكذا؟

يأتي موتى طيّبون

يجرّون خلفهم أعماراً من دخان

كما يجرّ مستهتر شاحنة ثقيلة

ماذا يفعل هذا السرب من الأرواح عندي؟

يدْخلون من الجدران ويتعذبون

ينْظرون نحوي وأسألهم عن أصدقائي وعائلتي

عن زهرة

عن مستقبلي الذي يسيل منه الدم

يحدّثونني عن أشياء سوف تتحقّق في الماضي

أصدّقهم

مثل ضيوف جاؤوا من قرية بعيدة

أتعبتهم الشمس والنسيان

أدخّن سيكاراً ولا أهتم


أدخل إلى المرحاض

أجد شخصاً آخر يبول مكاني

لا أجد المرحاض

أكتشف أنني رجلان بلا جسد

الضيوف يؤلمون ظهر المشيئة

يثرثرون كما لو كنّا على قيد الحياة

أعدّ لهم قهوة

أدسّ فيها السمّ

كي يعودوا من الموت

أفرّق الحلوى على الستائر

لا يعودون

بل يذوبون مع قرص الشمس الذي يكبر

يذهبون ويتركونني وحدي

أتفسّخ

يؤلمني الضوء

تؤلمني التحايا التي تركوا خلف الباب وهم يغادرون

أتحسر على الهواء الذي لم يأخذوا معهم:

بلا هواء سيموتون أكثر

أختنق بدلا منهم

أمشي على بطني مثل دودة قزّ

ولا أصل


في الليل

يأتي الشبح ذاته

وفي الصباح أنهض شخصاً آخر

أتحدث لغات قديمة وأرقص

في اليوم الثالث أتحول ديناصوراً

تؤلمني الأنهار وأصوات الحيوانات

أتسلّق سلالم الحضارة

أسقط ولا أنهض

تأتي البشرية وتتفرّق

وأنا نائم كما في ربيع طويل

وأنتظرك

لم تكوني معهم

ولم تكوني في الأغنية

لم نلتق في مصعد الأبدية

نسيتِ النجوم في بيتك ولم تندمي

لم تقبّليني في فمي

كي أفيق

ويتكسر الحجر الذي يغطي وجهي القديم

لم تردّدي الكلمات السحرية أمام باب الكهف

فتّشت عنك في المستقبل وفي الماضي ولم تكوني

اخترت طريق الظهيرة

ووصلت للحبّ ليلاً:

هل جئتِ كي ترتّبي السماوات السبْع وترجعين؟

الأرواح الشريرة تأكل حبّات حزن

كيْ تنسى الليل

وأنا خلف الستائر

نامت البيوت

والنجوم التي نسيتِ في بيتك البعيد تؤلمني

الموْتى ما زالوا يفتّشون عن أرواحهم في الغابة

يهيمون على وجوههم ويشتمون الضباب

يسيل من أجسادهم دم

وحنين