Idriss Aissa

كتاب وحشي

غابة من نخیل

تتجلى لأعیننا، أم كتاب

متنه من شرود التبات

ومن غبش الفجر إذ یعرف الضوء درباً

سطوره ریح جنوبیة

وحواشیه من ظمإ وسراب؟

كیف نقرؤه مستعیدین ذاكرة النخل

إذ یتعالى لیخرج من زھوه

فلك من عراجین راحلة

لا تدور على غیر عزلتھا؟

سوف ننسى

لنذكر مثل الأدلاء تاھوا

خرائط واحاتنا

ثم ندخل طقس غیاب.

نخيل

قصيّ أيها النخل الذي
يعلو وراء القوس

لكنّا نراك ونسمع السّعفات
ساكتة وتبدع ريحها
في ريح ما سيكون.

فاصعد. أسند الأمداء
سافر في الحفيف
كطائر الصفّار يصدح كي يشيع
يحلّ في الشّجرات
يغدو ألف صفّارٍ

ويهجر ذاته.


 

مراثي منى
 

1      

حصان أبيض          

مجبولٌ من يقظة ونأي          
         مضاء كفله بيقظته          


         تحدَّر إليك من سراح ذاكرة          

وارتحال عينين          

مشى منجذباً إلى يديك في هدأة الأشجار          

كأنّه يعرفهما في تلويح ورائحة          

كأنك تحملين مِذْودَه لدى جفنة مائه المنذور          

وتصلين عرفه بالصباح

 

دنا من ديوانك فنمْتِ          

ونامت ستائر الغرف الصغيرة          

وهدأتْ ريح في حديقة الأكاسيا          

وجاء الليل الذي شمل الجدر

ولم يزحْ كفَّيْه عن النوافذ          

          ولا عن أعيننا.        
 

2
         الحصان أتى          

من برية فسيحة معلقة في حلم بنت الخالة          

قبل أن تحكي حلمها          

قبل أن تنامي بعيداً عن الساعات والتقاويم          

 

بلا سرج ولا لجام تقدّم          

ليزفر صوب مخدتك          

وأنت تنظرين أعلى          

تترصَّدين الغداف الأخير          

الذي يحوِم في الماوراء          

 

بريئة من الوقت والناس

بريئة من جسدك المخذول؛

ترابك الذي حملته إلى آخر التراب
 

3
                  حصان خام          

لا ينشطر ظله الموفور في أرض

لا تقيده شمس

ولا تأخذه العتمة

 

حصان من هناك؛

حيث تعمى الخرائط          

وجداول الرمل

والكتب

 

مدهون عرْفه برائحة قُصوى          

نعرفها دائماً          

كلما تذكرنا إسطبلات الليل

حيث، بمصابيح وقور كابية         

         ولباس من غبرة ورحيل،

يتيه حواذِيّ عشي         

 

متقرين رائحةَ الخيل        

التي لن يعودوا بها

معقودة بأيديهم أعرافها الحرة        

4
كأنَّ ناصية الحصان المسبلة في كمالها

تدلَّت على مخدتك ووجهك         

فراحت بك عيناك         

إلى الضوء الواحد         

 

الذي يوحد السبل

في شتات الأرض

5
         بياض البهيمة          

ظلّ مطموس لكفن معلّق          

تنوس به ريح في شجرة ميتة          

 

بياض البهيمة تلك

سمّر الظلمة في الجذامير

والهبايات العتيقة

وراء بيتك الذي مرّت به الخيل         

6
         كأنّك لم تنامي          

دائماً نعود إلى الفراغ          

حيث كانت يداك تسندان الهواء          

وجسمك المسجّى يتقلب          

كنهر محتجز في سريره          

تتجاذبه المَصبّاتُ والينابيع          

والضفّتان

 

كأنّك لم تبرحي

ولم يُحاذِ الحصان ليل الحديقة

ولم يضاعف بياضه ظلمة الجذوع          

جوار بيتك الذي مرّت به الخيل          

7

لم أَعُد تحت شجرة الأمومة          

صحراء انطبقت على شفتيّ          

 

للكلمات أجنحة من ملح وغبار                    

ووجهي إزاء الموت                    

هأنذا مرة أخرى أتلعثم          

على عتبات الرماد                    

8

الألم، دائماً، شمس باكرة          

تفجأ الشرفات والأبواب والجدر          

وتعشي من يرى الظلال          

كي يسأل عما يحجبه الضوء العتي          

وعن يديه تدعوهما العتمة          

كي يتذكّر صحوة القندي          
 

9
                  الكتاب، مفتوحاً إلى آخره          

          وموضوعاً على حافة الفهم،

دردور يدوّم في مهمه          

          الرحَّل، مشدودين إلى المدى،

حادوا عن منزل الكوكب          


السبل التبست في أرجلهم          

وفي أعناق البهائم


والطريق الذي هم فيه          

          يعطيهم رائحة واحدة:

كأنما الأرض والألبسة القديمة

تصعدان من قعر التوابيت

10
         حصان؛          

عينان تجذبان الغياب          

وعرف سابغ يتهدّل في كمال          

كأنّ الحيوان استراحة الضوء          

من المرآة الكمداء          

التي بها يتقدم الليل نادهاً أشباهه          

 

طائشاً في رداه الكون

ممزقاً أخمصيه                    

على صخر كوكب يولد                                                            

 

ناثانائيل

"أرديْتُ عليّ ستراً - تقول المرأة

ودخلتُ الروضة -

تعني قبرَ الشيخ محيي الدين -

ناثانائيل كان جنبي

يرى مبهوراً كطائر يأخذ أول الهواء

بهجاً بنعمة الريش

صمت وكنت أرتقب الهبة؛

أن يصير الصمت لؤلؤة
أطبق كفي على ضوئها

وأعرف أنّي أمام الباب

الذي هو الباب..

ولا برزخ يفصله عن التي تصل..."

تحكي وكنْت أحثها

على أن تبقى هناك في دمشق

وتعود إليّ في صوتها

كأنّها تنبري في ضباب

وتلوح لي أعلى التلّ بالقنديل

عيناها أبعد م ما ترى عينان

وكفّها تتخلّل شعرها

نمشي معاً

كأنّها أخذت يدي إلى حديقة لأرى

وكان لي أن ألجم اليأس

بصوتِ امرأة تصف الضوء

خطاي تنشأ من خطاي

حيوان قلبي الذي كان من قبل يجمح بي

ويقتحم الدغل الذي يجذبه

يتبعني وتلمسني جبهته

حوافره خفيفةٌ على الطريق

"..الرائحة التي شممْتها حينئذ

ليسَتْ من الأرض

شيء يشيع ولا اسم له،

يتنزّل عليكَ من ذاته

وتعرف أنّه هناك؛

لباس من لا نهاية وصحو

تكون السَّكينة يداً لطيفة على كتفك

ترى كأنّك تحلم

والعالم ينشأ في نظرتك

وأنتَ تُشرف من ذِرْوةٍ هي أنتَ

ولك أن تقول: "رضيت عمّا يجيء

لأنّني هنا

والرضا سعفة خضراء وارفة

تحرّكها يدي

أر وح بها على الذي ينام؛

خوفي من أن أرى العالم

رجلاً أعمى يلاقي المارّة

ويحضنهم بيدين قويّتين

ثم يرتدّ إلى خندقه

ويتمرّغ بلباسه في الطين."

تتكوّر الحياة كلها في دمعة سعيدة

تقدر أن تبْذلها حبة لامعة أو تحبسها لتتقوّى بها

وتقدر أن تقول:

"غفرت للشمس أن يكون لي ظلّ

وللأرض التي ليست سوى متاه

أن يتلهّى النهار والليل فيها

بملْء جيوب الناس بالنوى الفاسد

أو بالحجارة

وغفرت لي أن يقيم العالم في خندقه. "

طريق له حاشية يسقفها التوت

ويرسل فيها الشجر الغريب أول الأزهار

هنا، حيث يلعب الصيف جمرته

قبل أن تصلا طريق الجكرندا

وتصعدا إلى ورشة الصديق

"..لغز؟ - تسأل المرأة -

أم مغنطيس يشمل الذي يَعقِدُ يديه

أو يتربّع هادئا

لتسند عزلته رأسها إلى فخذه،

لدى القبر البسيط

هناك حيث ما زال الذي كلّم الضوء

يشهد أنّه لم يطلب جهة

سوى التي يصوِيها ال ضوء

وتفضي إلى الباب الحي
الذي يتلقّاه آمنا

ويسميه جهة إلى الباب."

أرخيت لجام الحيوان

وقلت للتي شاءتني أخاً في ما رأت

وفي اللؤلؤة التي ضمّت كفّها على أبد :

"أجل، إنّه هو

ألا إنّه الروح."