بيت بعيد

اليد التي خرجت من الكتاب وداعبت خدي هي يد العجوز التي كانت أنفاسها تملأ زوايا البيت. اِشتقتُ إلى رنين الأساور في يديها، إلى شعرها الهندي وضحكتها الدرداء، اِشتقت إلى جرة الماء في غرفتها، إلى منديلها الأمازيغي الأحمر، إلى الغبار الذي كان يتظاير من طبق الدوم وهي تغربل الحنطة، إلى جلبتها في آخر الليل إذ تدفئ الماء للصلاة. اِشتقت إليها وحيدةً ومنسية هناك، في بيت بعيد بالمقبرة.

حياة

إنني أراها بفمها الأدرد وعينيها البئيستين تمرق على المكنسة وقد دلّت قدميها في الهواء، على كتفيها بقايا من القش وتحت تنورتها السوداء المرقعة سرب من الغربان، تُقطّب حاجبيها الشائبين في وجهي كي أرتعش. كيف أخافك أيتها العجوز وخلفك يجثو الموت جخولاً مثل طود؟ منذ خمسمائة عام وأنا أشرب الشاي وأسمع الأوبرا ولا شيء تغيّر. رويدك، سنظل نلبس الجينز ونرتاد المقاهي ونكتب الشعر حتى ونحن موتى.